محمد جواد مغنية

6

التفسير الكاشف

( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ) . المراد بالكتاب القرآن ، وهو مصدق للكتب المنزلة على الأنبياء السابقين ، وبديهة ان تصديق ما انزل على الأنبياء لا يستلزم تصديق الكتب التي ينسبها إليهم بعض الطوائف . . وها نحن المسلمين نؤمن بقول رسول اللَّه ( ص ) ، ومع ذلك لا نؤمن بكل ما في كتب الحديث المروية عنه ، أما من يؤمن بالكتب المنزلة على الأنبياء السابقين فعليه أن يؤمن حتما بالقرآن ، وإلا ناقض نفسه بنفسه ، لأن القرآن مصدق لتلك الكتب ، فتكذيبه تكذيب لها بالذات . ( وأَنْزَلَ التَّوْراةَ والإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ ) . ووصف التوراة والإنجيل بالهدى يستلزم انهما قد انزلا بالحق ، كما أن وصف القرآن بأنه نزل بالحق يستلزم أن يكون هدى للناس . . إذن ، فكل واحد من الكتب الثلاثة حق وهدى . والمراد بالهدى هنا بيان اللَّه سبحانه للحلال والحرام على لسان أنبيائه ، وهذا البيان يفيد العلم بأحكام اللَّه ، أما العمل بها فيحتاج إلى هدى من نوع آخر زائدا على البيان ، ولا أجد لفظا أعبّر عنه سوى التوفيق ، وهو المشار إليه بقوله تعالى : « إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكِنَّ اللَّهً يَهْدِي مَنْ يَشاءُ - القصص 56 » . التوراة والإنجيل : يطلق القرآن لفظ التوراة على ما أنزله اللَّه تعالى من الوحي على موسى ( ع ) ، ويطلق لفظ الإنجيل على الوحي الذي أنزله على عيسى ( ع ) . ولكن القرآن قد بيّن وسجّل ان التوراة والإنجيل اللذين يعترف بهما هما غير التوراة والإنجيل الموجودين الآن عند اليهود والنصارى ، قال تعالى في الآية 45 من سورة النساء : « مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » . وقال في الآية 14 من سورة المائدة : « ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ » . وفي الآية 15 من السورة المذكورة : « يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ » .